فخر الدين الرازي

389

المطالب العالية من العلم الإلهي

قَوْمِهِ « 1 » لأجل أن يكون البيان كافيا تاما . ثم يقول عقيبه : إني أخلق الجهل في البعض ، والعلم في البعض » ؟ قلنا : إنه تعالى بين أنه بعث الرسول إليهم بلسانهم ، حتى يكمل البيان ، ويظهر الدليل ، ولكنه يضل البعض ويهدي البعض ، ومع ذلك لا يظهر أنه لا يكفي في حصول الهداية تكميل البيان ، وإيضاح الحجة والبرهان . بل الدلائل وإن ظهرت ، والبراهين وإن بهرت ، إلا أنه ما لم يخلق اللّه الهداية ، لم يحصل المقصود . وهذا الكلام من هذا الوجه في غاية الانتظام . ونظيره قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 2 » . فثبت : أن الدلائل التي ذكروها في بيان أنه لا يمكن حمل لفظ الإضلال على خلق الإضلال ، كلها واهية ساقطة . وإذا كانت حقيقة لفظ الإضلال هو خلق الضلال ، وثبت : أن الأصل في الكلام هو الحقيقة ، وجب حمل اللفظ عليه ، والإعراض عما ذكروه من التأويلات ، وحمل اللفظ على المجازات « 3 » . والله أعلم

--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 4 . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية : 111 . وفي مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي : ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند هذه الآيات : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن يجبرهم على الإيمان . عن الحسن - وهو المروي عن أهل البيت ( ع ) والمعنى : أنهم قط لا يؤمنون مختارين ، إلا أن يكرهوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ أن اللّه قادرا على ذلك . وقيل : معناه يجهلون أنهم لو أتوا بكل آية ما آمنوا طوعا . وقيل : معناه يجهلون مواضع المصلحة فيطلبون ما لا فائدة فيه . وفي الآية : دلالة على أن اللّه سبحانه لو علم أنه إذا فعل ما اقترحوه من الآيات آمنوا لفعل ذلك . ولكان ذلك من الواجب في حكمته ، لأنه لو لم يجب ذلك ، لم يكن لتعليله بأنه لم يظهر هذه الآيات لعلمه بأنه لو فعلها لم يؤمنوا : معنى . وفيها أيضا : دلالة على أن إرادته محدثة . لأن الاستثناء يدل على ذلك . إذ لو كانت قديمة ، لم يجز هذا الاستثناء ولم يصح ، كما كان لا يصح لو قال : ما كانوا ليؤمنوا ، لأنه سبحانه يعلم أنه لم يشأ . فالقول فيه : إنه لو كان كذلك ، لكان وقوع الإيمان منهم موقوفا على المشيئة ، سواء كانت الآيات أم لم تكن ، وفي هذا إبطال للآيات » . ( 3 ) في ( س ) بعد ذلك : « ولنبين الآن أن كل واحد من التأويلات التي ذكروها في غاية الضعف . أما تأويلهم الأول وهو قولهم » وفي ( س ) بعد ذلك : فاعلم : أن مصنف الكتاب رضي اللّه عنه . أراد أن يضيف إليه أشياء أخر كثيرة ، إلا أنه اقتصر على هذا القدر . وأخر إتمامه . وإني نقلت هذا القدر من خطه في نوتته . نور اللّه مضجعه وقدس روحه ، وإنه توفي يوم الاثنين ،